فخر الدين الرازي
94
تفسير الرازي
والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة ، وربما صار ذلك مانعاً له عن الإيمان بالقيامة . وأما الصفة الثالثة : للمكذبين بيوم الدين فهو قوله : * ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) * والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين ، وفيه وجهان أحدهما : أكاذيب الأولين والثاني : أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند الله بهذا الطريق ، وههنا بحث آخر : وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولاً ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول الكلبي : أن المراد منه الوليد بن المغيرة ، وقال آخرون : إنه النضر بن الحارث ، واحتج من قال : إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة ن : * ( ولا تطع كل حلاف مهين ) * إلى قوله * ( معتد أثيم ) * إلى قوله * ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) * ( ن : 15 , 10 ) فقيل إنه : الوليد بن المغيرة ، وعلى هذا التقدير يكون المعنى : وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل معتد أثيم ، وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني : أنه عام في حق جميع الموصوفين بهذه الصفات ، أما قوله تعالى : * ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) * فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين ، بل أفعالهم الماضية صارت سبباً لحصول الرين في قلوبهم ، ولأهلهم اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه ، ولأهل التفسير وجوه أخر ، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة : ران على قلوبهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين على الميت فيذهب به ، قال الليث : ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه ، وهو يريد رينا ، وريوناً ، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه الدين " أصبح قد رين به " قال أبو زيد : يقال : رين بالرجل يران به ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه . قال أبو معاذ النحوي : الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين ، والأقفال أشد من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب ، قال الزجاج : ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم ، يقال : ران على قلبه الذنب يرين ريناً أي غشيه ، والرين كالصدأ يغشى القلب ومثله العين ، أما أهل التفسير ، فلهم وجوه : قال الحسن : ومجاهد هو الذنب على الذنب ، حتى تحيط الذنوب بالقلب ، وتغشاه فيموت القلب ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والمحقرات من الذنوب ، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيماً ضخمة " وعن مجاهد القلب كالكف ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وإذا أذنب ذنباً آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين ، وقال آخرون : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله ، وروي هذا مرفوعاً في حديث أبي هريرة ، قلت : لا شك أن تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية ، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم ، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة ، فهذه الهيئة النفسانية ، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان